آخر الأحداث والمستجدات 

السوسة والسياسة

السوسة والسياسة

تكاد تجمع معاني المعاجم العربية على أن السوسة اسم مفرد، وجمعها السوس؛ ويقال:  سوس الشيء أي نخر وتفتت. ويقال: ساست الشاة، بمعنى صار القمل في صوفها. وهي داء يأخذ الدابة بين الورك والفخذ، يورث ضعف رجلها. وهي كذلك بمثابة دود من مغمدات الأجنحة ينخر أنواع القطنيات من فول وحمص وعدس وصوف وثياب وخشب.

مناسبة هذا الكلام، هو فيديو تم تداوله منذ سنين خلت عبر مواقع التواصل الاجتماعي، يقول فيه الوزير السابق المرحوم السيد محمد الوفا بأن  الأحزاب السياسية أصابتها السوسة، ومن ثم انهار بنيانها، وفقدت كينونتها وجوهرها، وبالجملة تحورت وأصابها مسخ عظيم. وعلى الرغم من أن هذا الفيديو تقاسمه معي مجموعة من الأصدقاء عبر أزمنة متفرقة ومتباعدة، وعلى الرغم من أن لقائي بالسيد الوفا لم يحصل إلا مرتين، الأولى في لقاء علمي بمدينة مراكش، والثاني بمدينة الرباط في مناسبة ما؛ وقد أثير بحضوره فيهما هذا القول أو كلاما يشبهه فيما أذكر؛  فإن هذا الفيديو في هذه المرة الذي تقاسمه معي صديق وزميل عزيز، جعلني أتوقف وأتأمل العلاقة التي ربط بها السيد الوفا –رحمه الله- بين السوسة والسياسة؛ وهو الرجل الصريح والغيور على أمته ووطنه. ولعل مادفعني دفعا لصياغة  هذه الورقة يتجسد  في تداعيات عطلة الصيف حيث الـتأمل والتدبر، بعيدا عن اليومي المرهق والمستنزف. وبعيدا عن الشفط الزمني الذي تتعرض له أعمارنا.

 

إن إصابة  أحزابنا السياسية بالسوسة –بدرجات متفاوتة-  حقيقة لا يتناطح عليها كبشان، والكل يجمع على أن إصابة أغلبها كانت بليغة، وكانت في مقتل. إن المتتبع لمسار هذا الكثير منها يتأكد له أن منسوب الخلل فيها تجاوز كل الحدود. فلاهي تستجيب لما أحدثت من أجله دستوريا، من تمثيل وتأطير وتوجيه، ولاهي تكيفت مع الظرفية من أجل التغير.

 

وحتى تتضح الرؤية وتنجلي الصورة، ويتسنى لنا تشخيص مدى إصابتها بهذا الداء/ السوسة، لنعد إلى لقاءاتها التنظيمية إن عقدت، لترى أنها مجرد تجمع بشري، فيه الكثير من اللغط والغمز واللمز؛ وقليل من الجدية والاستشراف. فما معنى أن نجد الكثير ممن يمكن نعته تجاوزا   ب"القيادة الحزبية"؛ قلت،نجد قضاياهم معروضة أمام المحاكم، ومنهم من أدين، ومنهم من ينتظر؟ بل ما معنى أن يعقد "مؤتمر" ويتم التصويت فيه على الأمين العام بالتصفيق، بعد ملحمة من الشد والجذب و"الضرب" والسب، وفي أحيان أخرى سادت لغة الصحون الطائرة، والأمثلة كثيرة؟  وأفظع من ذلك، حين يتم إنشاء الهياكل التنظيمية حسب منطق العشيرة والقبيلة و"أولاد الدرب والحارة"؟ بل ما معنى أن يخرج علينا ممن سموا أنفسهم ب"القيادة" بفيديوهات ومكالمات، منها العلني و المسرب، فيها الكثير من المس بالحياء وبمقومات وركائز الوطن، دون أن يعبر الحزب المعني عن موقفه مما حصل؟ 

 

وعل كل، لننبه  هؤلاء أن  دواء داء السوسة، لايمكن علاجه إلا بالرجوع والارتكاز على ماهو أسمى، والذي به يتضح الهدف من إنشاء الأحزاب السياسية، وبه يتم حمايتها ووقايتها:

 

+الدستور المغربي (2011)؛ وبالأخص الفصل السابع منه، الذي يقر ويؤكد على أن الأحزاب السياسية ملزمة بتأطير المواطنات والمواطنين والقيام بتكوينهم السياسي، وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية، وفي تدبير الشأن العام، وعليها أن تساهم في التعبير عن إرادة الناخبين، والمشاركة في ممارسة السلطة، على أسس التعددية والتناوب، بالوسائل الديموقراطية، وفي نطاق المؤسسات الدستورية... كما يجب أن يكون تنظيم الأحزاب السياسية وتسييرها مطابقا للمبادئ الديموقراطية.

 

+النموذج التنموي الجديد: والذي يؤكد على أنه يجب على  الهيئات التمثيلية ومؤسسات الوساطة القيام بدورها الكامل في إطار مانعته بالقطاع الثالث. فعلى المستوى المحلي، يعتبر الأحزاب السياسية فاعلا رئيسيا في تأطير المواطنين، سواء في التزاماتهم المدنية، أو في مشاركتهم السياسية والاجتماعية.

 

ويركز النموذج التنموي كذلك على أنه واعتبارا لتشبث المواطنين بالاختيار الديموقراطي، فإنه من الأساسي توسيع المشاركة السياسية وتعزيزها بغية الرفع من نجاعة الفعل العمومي، وتوفير ظروف التعبئة التامة والكاملة للمواطنين. وبالتالي لايجب الاكتفاء بالأداء الديموقراطي في حده الأدنى، المختزل في مظاهر شكلية وفي الانتخابات.

 

ولهذه الغاية، يدعو النموذج التنموي إلى أنه من المهم إعادة الحيوية إلى الهيئات الوسيطة، لاسيما الأحزاب السياسية التي تعتبر عماد الديموقراطية التمثيلية. كما يجب إعادة تنشيط المشاركة السياسية من خلال انفتاح واسع للأحزاب السياسية على القوى الحية للمجتمع وتحصين الحقل الحزبي، لاسيما من خلال تعزيز قدرات الأحزاب لإنتاج الأفكار وتنشيط النقاش السياسي وتأطير المواطنين في التزاماتهم المدنية وفي مشاركتهم السياسية والاجتماعية على المستوى الوطني والمحلي. ويلعب تحديث وتعزيز قدرات الأحزاب وجاذبيتها تجاه المواطنين وقدرتها على تعبئة الكفاءات دورا رئيسيا في استعادة الهيئات الوسيطة لمهمتها الأولى كممثلة للمواطنين وفاعلة في الحياة العامة ومنتجة للأفكار وللالتزامات المدنية. وفضلا عن ذلك، يجب أن يقدم الفاعلون التمثيليون، المنتخبون من طرف الأمة، مثالا للقدوة والنزاهة، وهي القيم التي لامحيد عنها من أجل إعادة تأهيل المجال السياسي في نظر المواطنين.

 

وبالمحصلة، فوضعية أغلب أحزابنا السياسية لم تعد تحتمل، وداؤها مشخص (السوسة)، ودواؤها محدد وجلي؛ فإما أن ترتكن وتخضع للعلاج، وإلا فعلى حماة الداء/ السوسة (القيادة) الرحيل عنها، فهم خطر عليها باعتبارها مؤسسات دستورية؛ وقبل ذلك وبعده، هم خطر على الوطن.

جميع الحقوق محفوظـة © المرجو عند نقل المقال، ذكر المصدر الأصلي للموضوع مع رابطه.كل مخالفة تعتبر قرصنة يعاقب عليها القانون.
الكاتب : الحاج ساسيوي – أستاذ التعليم العالي وباحث في الإدارة الاستراتيجية
المصدر : هيئة تحرير مكناس بريس
التاريخ : 2023-08-29 20:58:42

 تعليقات الزوار عبر الفايسبوك 

 إعلانات 

 صوت و صورة 

1  2  3  4  5  6  7  8  9  المزيد 

 إعلانات 

 إنضم إلينا على الفايسبوك